
القى سالم بجسده على كرسيه الدوار ، ونظر إلى النافذة من خلفه ليملأ رئتيه بالهواء النقي ، وينعش اعضائة بضوء شمس الصباح المشرقة ، لعل ذلك يكون معينا له لإنهاء جبل المعاملات التي تكدست على مكتبه منذ ايام . اعتدل في جلسته ، ورفع سماعة الهاتف متصلا بالكافتيريا المجاورة للدائرة الحكومية التي يعمل بها :
– ألو .. غلام … ايوا أنا سالم .. جيب بالله واحد طعمية وواحد ببسي دايت ، طعميه من دون خيار اوكي …. ايش؟؟ ايش تقول ؟؟ فلوس !! .. خلاص ياغلام آخر هذا الشهر انا اعطيك حساب كله … لا لا ان شاء الله هذا شهر اكيييد ، لا لا مو زي كل شهر هذا شهر ميه ميه ان شاء الله .. بسرعه بالله ياغلام عشان انا في شغل كتير ويبغا فطور .. يلا سلام .
عاد سالم مسندا ظهره إلى الكرسي والتقف جريدتة بعد أن القى نظرة خاطفة إلى كوم المعاملات أمامه متبعا تلك النظرة بمط شفتيه وابتسامة لا تحمل ملامحا َ ، غطى وجهه بالجريده وانكفأ يقلب صفحاتها ، ثم مالبث ان صاح مخاطبا خالد زميله في المكتب قائلا :
– ياخالد .. أقلك ياخي .. مافي اخبار جديدة على موضوع الرواتب ؟؟
– لا والله علمي علمك
– ياخي بس الجرايد هلكونا ، كل مره نقرا شي ..
– كلام جرايد ياحبيبي
– اللي يقول حيرفعوها 15 في الميه ، واللي يقو 30 ، لا .. وواحد يتفلسف ويقول احنا مو أقل من الامارات ، اكيد حيزودونا 70 في الميه ، بس تصدق .. عجبتني فلسفته
– ليش يعني؟؟
– ياخي من جد ، احنا مو اقل من الامارات ، الحمد لله بنصدر بترول اكثر منهم ، وغاز كمان اكثر من أي دوله في العالم ..
– قال الامارات قال ، ياحبيبي تعرف انه قطر زودوا الرواتب ميه في الميه !
– معقوله !! ميه في الميه مره وحده
– معقوله ونص
– ياعمي .. اصلا قطر كلهم اصلا 20 ولا 30 مواطن اذا كثروا
– تعرف ياسيد سالم ، انه الكهرباء والماء في قطر .. مجانا ، يعني ببلااااش !!
هوت تلك المعلومة على سالم كالسيف ، فهو يسمعها للمرة الاولى ولولا ثقته بخالد لكذبها ، ولكنه مازاد على أن غط وجهه في الجريدة مرة أخرى حيث لم تسعفه الكلمات ليقول شيئا . وبعد برهة ، دخل غلام إلى المكتب ومعه السندويتشات ، واتجه نحو سالم قائلا له :
– شوف بابا ، هذا اخر يوم انا يجيب طلبات لك انت ، اول يدفع حساب كامل بعدين انا يجيب ، خلاص بابا
هب سالم وقفا وانتزع ماكان في يد غلام في غضب قائلا له :
–شوف صديق .. لا تذلنا بالسندويتش اللي قاعد تجيبه كل يوم ، ولا كانه جايبلي فطور خمس نجوم .. الله لايحوجنا لك ياشيخ ، وبعدين انا مو قلتلك نهاية الشهر ؟؟ يعني نهاية الشهر .. هيا امشي من هنا ولا والله ماتذوق ولا ريال !!
خرج غلام من المكتب بخطوات غاضبة وهو يتمتم بكلمات غير مفهومة ، وعاد سالم إلى مكتبه وهو يتافف ، ويرعد ويزبد ويلعن الحظ الذي قاده لهذا الموقف المحرج أمام زملائه ، ومالبث أن صب جام غضبه على السندويتش، فاخذ يلتهمه في غضب وضيق مقلبا صفحات جريدته. وبعد أن انتهى منه ، مسح فمه بكمه ، وعاد ليلقي نظرة على المعاملات امامه ، قلب بعضها وتصفح البعض ، اقفلها بكل رعونة مما ادى إلى تساقط بعض الاوراق من المكتب ، وعاد ليفتح الجريدة على صفحة الكلمات المتقاطعة .
– قرار تتخذه الحكومات ، يفرح به المواطنون ، من خمسة أحرف ، واوله حرف العين.
صاح سالم بهذا السؤال موجها اياه لزميله الثالث محمود ، اجاب محمود بصوت منخفض ورأسه منكب على المعاملات :
– علامة .. عمامة .. عليم .. عليل … يوووه ياخي .. منتا شايفني مشغول بالمعاملات ؟؟ شوف خالد يمكن يعرف
– ها ياخالد يابو العريف تعرف ولا لا ؟؟
– بسيطة ياحبيبي … علاوة
صاح سالم في فرح :
– عليك نوووور علاوة ، قول يارب .. انه مجلس الوزراء يقرر علاوة ماتقل عن 50 في الميه يارب ياكريم
صاح خالد ومحمود في صوت واحد يملؤه الحرقة والاشتياق
– ياااااارب
سادت فترة من الصمت ارجاء المكتب ، انشغل فيها الرفاق كل بشئونه ومعاملاته ، ثم مالبث أن قطع هذا الصمت رنين جوال سالم ..
– صدقوني المدام .. قلبي يقلي كذا
قال خالد:
– طيب اتاكد ياخي
نظر سالم إلى جواله ليتأكد بالفعل أنه المتصل هي زوجته ، فأردف قائلا :
– هاا .. مو قلتلكم ….. ها يامره اش تبغي ؟؟ …. ايوا … اها … أممم .. اش كمان … يامره . مو الاسبوع اللي راح انا جايب طبق بيض ، لحق يخلص !!… اها .. طيب .. اش كمان ؟؟
وفجأة !! تغيرت ملامح سالم ، وبدأ التأثر واضحا على تقاسيم وجهه ، مما أثار فضول زملائه للنظر اليه ، فأدار كرسيه ، وانحنى واضعا يده على فمه لكيلا يسمعه أحد :
–ياحنان ياعمري ياحبيبتي … كل الطلبات اللي قلتي عليها حا اجيبها .. بس موضوع الرز الله يسعدك شوفي غيره .. اكلينا عدس .. اطبخي هريسة .. ان شاء الله نتغدى بيض وجبنة .. الا الرز ياحنان … دخيلك
التصنيف: أدبيات |